في إطار البرنامج المشترك مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، وبمشاركة حركة ضمير، عقدت مؤسسة وسيط المملكة، يومه الأربعاء 11 مارس 2026، حلقتها النقاشية الثانية، التي خصصت لاستئناف التفكير في تحولات الإدارة المغربية، تحت عنوان “النموذج المرفقي الجديد وتحولات الخدمة العمومية”.

في كلمته الافتتاحية، أبرز السيد وسيط المملكة أن التحولات الهيكلية التي تعرفها الإدارة المغربية اليوم تقرأ من خلال ثلاث صور أساسية: “إدارة السياسات” حيث انتقل الطلب على الوساطة من الشكايات النمطية إلى مساءلة السياسات العمومية، و”إدارة المنصات” التي تطرح إشكاليات الشرخ الرقمي وتحيزات الذكاء الاصطناعي، و”إدارة اللايقين” التي تفرض التوفيق بين الاستعجال الحكومي وضمانات دولة القانون. وشدد السيد وسيط المملكة على أن المعرفة تشكل الشرط الأساسي لانتقال المؤسسة من معالجة التظلمات الفردية إلى تفكيك الاختلالات البنيوية، مذكرا بأن الإنصاف “عدالة سياقية” تتطلب فهم الخلفيات الاجتماعية للقرار الإداري.

من جهته، قدم السيد محمد بنموسى، رئيس حركة ضمير، كلمة خلال الجلسة الافتتاحية، اعتبرها وسيط المملكة بمثابة “وثيقة مرجعية تطرح مسالك للتفكير في هذا النموذج المعقد”. وتوقف السيد بنموسى عند ما أسماه “كلفة اللغة الإدارية”، مشددا على ضرورة إعادة النظر في منهجية اشتغال المرفق العمومي، ليس فقط من حيث تبسيط المساطر، ولكن أيضا من حيث مقاربة التواصل مع المواطن، وجعل اللغة الإدارية أكثر قربا ووضوحا.
وفي كلمتها، رحبت السيدة شيماء بورجيج، ممثلة مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، بالمشاركين والحضور، وأشادت بمستوى التعاون مع مؤسسة وسيط المملكة، مؤكدة على أهمية هذه اللقاءات الفكرية في تعزيز النقاش العمومي حول قضايا الحكامة والإصلاح الإداري، ومواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها الإدارة المغربية.
وعرفت الجلسة العلمية التي سيرتها السيدة مريم الهواري، رئيسة وحدة المحفوظات والتوثيق بالمؤسسة، تقديم قراءات متقاطعة حول رهان الإدارة المغربية، حيث تطرق الأستاذ عبد الحافظ أدمينو في مداخلته إلى “أجيال الإصلاح الإداري بالمغرب”، مبرزا الانتقال من إصلاحات الهيكلة الكبرى إلى إصلاحات تركز على جودة الخدمة وتبسيط المساطر، في سياق التحول من الدولة البيروقراطية إلى الدولة المنظمة والموجهة. فيما ركز الأستاذ جواد النوحي في مداخلته حول “النموذج المرفقي الجديد وتكريس البعد الترابي”، على التناقضات الراهنة، مشددا على أنه “بالرغم من العودة القوية إلى مفهوم الدولة الاجتماعية، فإن الفوارق المجالية وغياب العدالة المرفقية لا تزال قائمة، لأننا في كثير من الجماعات الترابية أمام تدبير كلاسيكي لم يواكب روح الإصلاحات الدستورية”. ومن جهته تناول الأستاذ رضوان اعميمي “تحولات الفكر التشاركي وسؤال إنتاج القيمة”، مثيرا إشكالا جوهريا يتمثل في أن “قدرة الإدارة لا تقاس فقط بجودة قراراتها، بل بقدرتها على إدارة شركائها، خصوصا في عصر الذكاء الاصطناعي حيث يتحول المواطن من متلق للخدمة إلى فاعل في إنتاج القيمة العمومية”.
وقد كشفت المداخلات والنقاشات أن النموذج المرفقي الجديد لا يقتصر على تحديث الأدوات والمساطر، بل يعيد طرح سؤال الشرعية الإدارية ذاتها: كيف ننتقل من مشروعية تقاس بمطابقة القرار للنص، إلى شرعية تقاس بعدالة أثر القرار على المواطنين والمجالات؟ وهو الرهان الذي يضع مؤسسات الحكامة، وفي مقدمتها مؤسسة وسيط المملكة، في صلب الحوار العمومي حول مستقبل الخدمات العمومية بالمغرب.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



