النهار نيوز المغربية طرفاية
وسط رمال شاطئ طرفاية، وعلى بعد أمتار قليلة من مياه المحيط الأطلسي، تقف بناية مهجورة وحيدة تصارع الزمن والرياح والرمال. يعرفها المحليون باسم “دار البحر” أو *كازا ديل مار Casa del Mar*، وهي ليست مجرد أطلال، بل هي ذاكرة تاريخية حية وشاهد على عراقة المدينة وأهلها، وعلى مرحلة مفصلية من تاريخ الصحراء المغربية.
تاريخ هذه القلعة لا يبدأ مع الإسبان كما يعتقد البعض، بل مع مغامرة تجارية بريطانية. ففي سنة 1882، قام التاجر والمستكشف الاسكتلندي Pyjama ماكينزي، عبر شركته “شركة شمال غرب إفريقيا”، بتشييد مركز تجاري محصن فوق صخرة في البحر بمنطقة رأس جوبي (طرفاية حاليا).
أطلق عليه اسم Port Victoria أو “مصنع ماكينزي”، وكان هدفه ربط التجارة الصحراوية القادمة من تمبكتو وواد نون بالسوق العالمية عبر المحيط. وكان المبنى يضم ثمان غرف وخزانات للمياه وأبراج مراقبة ليكون قادرا على الصمود في عزلة الصحراء.
لم يمر هذا الاحتلال التجاري مرور الكرام. فالقبائل الصحراوية التي كانت تسيطر على المنطقة آنذاك، وعلى رأسها قبائل تكنة وازركيين، رفضت الوجود الأجنبي، والتمست تدخل السلطان الحسن الأول*. 1e84
وبالفعل، دخل السلطان في مفاوضات دبلوماسية مباشرة مع بريطانيا، انتهت سنة 1895 باتفاقية رأس جوبي التي اعترفت بموجبها بريطانيا بسيادة المغرب على المنطقة الممتدة من واد درعة إلى رأس بوجدور، وقامت ببيع المنشأة للسلطان مقابل 50 ألف، الذي أهداها بدوره للسكان المحليين. وكان ذلك انتصارا دبلوماسيا كبيرا أكد وحدة المغرب في وجه الأطماع الاستعمارية. cfec
وهنا تبرز العلاقة الخاصة لهذه الدار مع بيت الإمارة والزعامة في قبائل ازركيين، الكرام آل سيدي يوسف.
فلهذه القلعة ومحيطها ارتباط وثيق بتاريخ قيادة المنطقة، حيث كان القائد التاريخي الأمير إبراهيم ولد عبد الله ولد سيدي يوسف، قائد المائة، من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذه المنطقة والدفاع عنها.
ووالده هو الأمير التاريخي عبد الله ولد سيدي يوسف، أحد رموز الحكمة والسيادة في الصحراء، وهو الذي وقع اتفاقية الحماية مع الكولونيل الفرنسي بينيس، في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة بعد دخول الاستعمار الإسباني والفرنسي.
فآل سيدي يوسف لم يكونوا مجرد شيوخ قبيلة، بل كانوا بيت إمارة حقيقيا يمثل المرجعية السياسية والاجتماعية لقبائل ازركيين، وكانت “دار البحر” جزءا من مجال نفوذهم وذاكرتهم السياسية.
بعد اتفاق 1916 بين إسبانيا وفرنسا، أصبحت طرفاية تحت الاحتلال الإسباني تحت اسم “فيلا بينس” Villa Bens، وظلت “كازا ديل مار” تستخدم كمنارة بحرية لتوجيه السفن حتى نهاية الثمانينات.
وعادت طرفاية إلى الوطن الأم سنة 1958 بعد حرب إفني، على يد ولي العهد آنذاك الأمير الحسن الثاني.
ولم تنل هذه المعلمة حقها من الاهتمام إلا مؤخرا، حيث قامت وزارة الشباب والثقافة والتواصل في 6 يونيو 2024 بتصنيفها رسميا كـ معلم تاريخي وطني إلى جانب مطار القديس إكزوبيري، مما يمنحها حماية قانونية ويمنع أي تغيير في مظهرها العام. 3c45

اليوم، “كازا ديل مار” التي صنفت كـ “جوهرة معمارية لا مثيل لها في شمال غرب إفريقيا”، لا تزال تنتظر مشروع ترميم حقيقي لإنقاذها من التآكل وطمر الرمال، لتعود شاهدا حيا على تاريخ آل سيدي يوسف وتاريخ الصحراء المغربية المجيد.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

