منذ تأسيسه عام 1920، لم يعد المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) مجرد مؤسسة منجمية، بل تحول إلى أحد أعمدة السيادة الإقتصادية للمملكة، ونموذج عالمي في الحكامة الصناعية والتحول الأخضر. اليوم، بفضل رؤية استراتيجية يقودها الرئيس المدير العام مصطفى التراب، أصبحت المجموعة أكبر فاعل في الأمن الغذائي العالمي.
لم يعد المكتب الشريف للفوسفاط قصة فوسفاط، بل قصة تحول مغربي بامتياز. قصة كيف يمكن لمؤسسة عمومية أن تتحول من مستخرج لمادة أولية إلى قائد عالمي في صناعة عالية القيمة، وكيف يمكن لمورد طبيعي أن يتحول إلى أداة دبلوماسية ناعمة تخدم القارة، وإلى ضامن للأمن الغذائي لثمانية مليارات إنسان. وأصبح م.ش.ف اليوم بفضل حسن التدبير والرؤية الإستباقية، ليس فقط ثروة المغرب، بل ورقته الرابحة في عالم يبحث عن الإستقرار والإستدامة والسيادة.
عبد الرحيم باريج
الثقل الجيولوجي: المغرب خزان العالم
المعادلة بسيطة وحاسمة، حيث يمتلك المغرب ما بين 70 و 75% من الإحتياطيات الإقتصادية الموثقة من الفوسفاط عالمياً، وتشير تقديرات مؤسسة”براند فينانس” إلى أن مجموعة م.ش.ف تسيطر لوحدها على ما بين 68% و70% من احتياطيات صخور الفوسفاط في العالم، وتستحوذ على حوالي 31% من سوق منتجات الفوسفاط العالمية.
لم يعد هذا الإحتكار الطبيعي يُستغل كخام يُصدّر، بل كمنظومة صناعية متكاملة طورتها المجموعة، تشمل مختلف مراحل سلسلة القيمة، من استخراج الخام إلى إنتاج الحامض الفوسفوري والأسمدة وتسويقها في الأسواق الدولية.
القيمة المضافة وطنياً: محرك النمو والسيادة
يمثل اليوم المكتب الشريف للفوسفاط على المستوى الوطني، أكبر مساهم صناعي في الناتج الداخلي الخام، وأكبر مصدر للعملة الصعبة، وأكبر مستثمر صناعي في المملكة.
تؤكد الأرقام الأخيرة صلابة النموذج: في عام 2025 بلغ رقم معاملات المجموعة 113,9 مليار درهم، بنمو 17% مقارنة بعام 2024، بينما بلغت إيراداتها حوالي 114 مليار درهم (نحو 11,4 مليار دولار). وارتفع مؤشر “إبيتدا” إلى 43,198 مليار درهم بزيادة 11%، مع هامش ربحية 38%، وهو ما يعكس متانة الأسس التشغيلية والمالية.
لم يأت هذا الأداء صدفة، بل نتيجة برنامج استثماري ضخم. في 2025 وحده بلغت الإستثمارات 43,588 مليار درهم مقابل 34,084 مليار درهم في 2024، موجهة نحو تطوير قدرات إنتاجية جديدة ومشاريع استراتيجية في تدبير الماء والطاقات المتجددة.
وتتجلى القيمة المضافة الوطنية في ثلاثة محاور:
أ. الاستقلالية المائية والطاقية: أنجزت المجموعة أنبوباً لنقل الماء المحلى يربط الجرف الأصفر بخريبكة، ورفعت قدرتها على التحلية بـ 50 مليون متر مكعب إضافية سنوياً، لتصل إلى الإستقلالية المائية الكاملة لمواقعها الصناعية، وتزويد مدن مجاورة بالماء الصالح للشرب. كما تتوجه نحو 100% طاقات متجددة في 2027.
ب. صناعة المستقبل: عبر ذراعه للإبتكار InnovX، يعمل م.ش.ف على تطوير مواد كيميائية ذات قيمة مضافة عالية لصناعة البطاريات، بما فيها بطاريات الليثيوم والحديد والفوسفات (LFP)، مع مشاريع ضخمة مثل مشروع COBCO مع المجموعة الصينية CNGR باستثمار يناهز ملياري دولار لإنتاج مواد الكاثود.
ج. الرأسمال البشري: أصبحت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية UM6P ببنكرير مصنعاً للكفاءات، ومركزاً قارياً للبحث في علوم التربة والذكاء الإصطناعي والإستدامة، يربط الفوسفاط بالمعرفة.
القيمة المضافة إفريقياً: من مورد إلى شريك في الأمن الغذائي
إذا كان العالم يرى في م.ش.ف مورداً للأسمدة، فإن إفريقيا ترى فيه شريكاً تنموياً.
وعززت سياسة انفتاح المملكة على إفريقيا الحضور النشط للمكتب في بلدان الجنوب، عبر استثمارات متنوعة ما بين تمويل البنيات التحتية الصناعية والفلاحية والطاقة المتجددة والتنمية المستدامة، مما خلق قيمة مضافة مادية ولامادية.
تقومالاستراتيجية الإفريقية تقوم على مبدأين:
أ.أسمدة مخصصة لا موحدة: تمتلك المجموعة أكثر من 160 تركيبة سمادية مصممة حسب نوع التربة والمحصول والمناخ، وتوفر عبر شركاتها مثل OCP Africa خرائط خصوبة التربة لأكثر من 12 دولة إفريقية.
ب.التصنيع المحلي: بدل تصدير الأسمدة الجاهزة فقط، بنت مصانع مزج في إثيوبيا ورواندا ونيجيريا وغانا، ومشروعاً عملاقاً في نيجيريا، مما يقلل كلفة النقل ويخلق مناصب شغل محلية.
وهذا هو مفهوم “السيادة الغذائية المشتركة” الذي تدافع عنه الرباط: لا يمكن لإفريقيا التي تضم 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة في العالم أن تحقق أمنها الغذائي دون ولوج عادل للأسمدة.
القيمة المضافة عالمياً: ضامن استقرار أسواق الغذاء
برز المغرب كعنصر رئيسي في معادلة الأمن الغذائي الأمريكي والعالمي بفضل منظومته الصناعية المتكاملة، في عالم مضطرب، حيث أثرت الحرب في أوكرانيا واضطراب سلاسل الإمداد على أسعار الغذاء،
واليوم، م.ش.ف هو المزود الأول للهند والبرازيل وإفريقيا، وصدرت للهند وحدها أكثر من 2,5 مليون طن في 2025 بنمو 40% عن 2024. وتم إدراج المجموعة عام 2026 ضمن قائمة “أفضل 50 شركة عالمية في مجال الكيماويات” من طرف “براند فينانس” بقيمة سوقية تقدر بـ 603 ملايين دولار.
تجلت ثقة الأسواق الدولية في أبريل 2025 عندما جمعت المجموعة 1,75 مليار دولار عبر إصدار سندات على شريحتين، اكتتب فيها أكثر من أربعة أضعاف المبلغ المطلوب.
سر النجاح: حكامة بمعايير الشركات العالمية
ما يميز م.ش.ف ليس ما يملكه، بل كيف يُدار.
أ. التحول من إدارة منجم إلى إدارة منظومة: انتقلت المجموعة من بيع الصخر إلى بيع حلول تغذية النباتات، ومن شركة عمومية إلى مجموعة عالمية بمعايير حكامة شفافة، وتقارير مالية معتمدة دولياً.
ب. الإستثمار الأخضر كرافعة تنافسية: كما يقول مصطفى التراب، الإستدامة “ليست ركيزة منفصلة” بل هي أساس التنافسية والأداء والمرونة على المدى الطويل. ويهدف البرنامج الاستثماري الأخضر 2023-2027 بميزانية 130 مليار درهم (13 مليار دولار) إلى الحياد الكربوني، وتعميم التحلية، وإنتاج الأمونيا الخضراء.
ج. الذكاء الصناعي والإبتكار المفتوح: عبر إحداث منظومة صناعية متكاملة تربط بين المنجم والمختبر والسوق، أصبحت القرارات تُبنى على البيانات الزراعية والمناخية لحظياً.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


