مداخلات وازنة تقارب الموضوع من زوايا متعددة لميمون حامدي رئيس فيدرالية تنمية جمعيات القصور الكلوي بجهة الشرق، ود.انتصار حدية الأستاذة بكلية الطب والصيدلة بوجدة وأخصائية في أمراض الكلى، ومحمد المصلح رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة، والأستاذ الباحث في القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والسياسية بتازة د.يوسف علالي، والعلامة وفضيلة د.مصطفى بن حمزة رئيس المجلس العلمي الجهوي بالشرق وعضو المجلس العلمي الأعلى.
إعداد : عبد الرحيم باريج
احتضنت كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بوجدة، ندوة علمية وتوعوية هامة تحت عنوان “التبرع بالأعضاء وزراعتها.. تحديات وآفاق”، بمناسبة اليوم العالمي للتبرع وزرع الأعضاء، الذي يصادف 17 أكتوبر من كل عام.
نظمت الندوة بمبادرة من فيدرالية تنمية جمعيات القصور الكلوي بجهة الشرق وجمعية دعم مرضى القصور الكلوي بوجدة، بشراكة مع كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بوجدة، ومصلحة أمراض الكلى بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، وعدد من الشركاء المؤسساتيين والمدنيين، عرفت حضورا وازنا لأطباء أخصائيين، فقهاء، قانونيين، طلبة الطب، وممثلين عن المجتمع المدني ومرضى القصور الكلوي وذويهم.
وتأتي هذه المبادرة في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز ثقافة التبرع بالأعضاء، في ظل تزايد أعداد المرضى المنتظرين لعمليات الزرع، خاصة مرضى القصور الكلوي، وتسليط الضوء على الرهانات الطبية والقانونية والشرعية المرتبطة بهذا الموضوع الإنساني النبيل.
تميزت الندوة بمقاربة متعددة الأبعاد، جمعت بين الطب والقانون والشريعة الإسلامية، من خلال مداخلات قيمة أطرها ثلة من المتخصصين.
افتتح حامدي الندوة بكلمة مؤثرة استعرض فيها معاناة مرضى القصور الكلوي بجهة الشرق، مؤكدا أن الجهة تسجل مئات الحالات التي تخضع لتصفية الدم بشكل دوري، في انتظار أمل الزرع. وأوضح أن الفيدرالية تعمل منذ أعوام على الترافع والدعم النفسي والإجتماعي للمرضى، لكن التحدي الأكبر يبقى ضعف ثقافة التبرع. ودعا إلى تبسيط المساطر الإدارية المتعلقة بالتبرع، وتعزيز التنسيق بين المراكز الإستشفائية، وإطلاق حملات توعوية مستمرة داخل الجامعات والمساجد والمؤسسات العمومية لكسر حاجز الخوف وسوء الفهم.
وقدمت الدكتورة حدية عرضا علميا دقيقا حول الوضعية الوبائية للقصور الكلوي المزمن في المغرب، والفرق الشاسع بين عدد المتبرعين وعدد لائحة الانتظار. وأكدت من منظور طبي أن زراعة الكلى تبقى الحل الأمثل والأكثر فعالية من حيث التكلفة وجودة الحياة مقارنة بتصفية الدم، مشيرة إلى أن التقدم الطبي في المركز الإستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة مكن من إجراء عمليات زرع ناجحة وفق معايير دولية. وشددت على أهمية التبرع من متبرع حي قريب، وأيضا التبرع بعد الوفاة الدماغية، موضحة الشروط الطبية الدقيقة التي تحكم هذه العمليات لضمان سلامة المتبرع والمتلقي.
وتناول الأستاذ المصلح الجانب الشرعي والأخلاقي للتكافل الإجتماعي، معتبرا أن التبرع بالأعضاء يدخل في صميم مقاصد الشريعة الإسلامية المتمثلة في حفظ النفس. وأكد أن الشريعة حثت على التعاون على البر والتقوى وإغاثة الملهوف، وأن التبرع بالأعضاء في حقيقته إحياء لنفس بشرية، مستدلا بقوله تعالى “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”. ودعا إلى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تربط التبرع بانتهاك حرمة الجسد.
وسلط الباحث في القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والسياسية بتازة د.يوسف علالي الضوء على الإطار القانوني المنظم للتبرع وزرع الأعضاء في المغرب، خاصة القانون رقم 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية وأخذها وزرعها. وأوضح أن المشرع المغربي أحاط العملية بضمانات قانونية صارمة، من بينها مبدأ مجانية التبرع، وضرورة التعبير الصريح عن الإرادة أمام رئيس المحكمة الإبتدائية، ومنع الإتجار بالأعضاء، واحترام كرامة المتبرع. وأشار إلى التحديات القانونية المرتبطة بقلة التصريحات بالتبرع بعد الوفاة، والحاجة إلى تفعيل السجل الوطني للرافضين للتبرع، وتعزيز دور النيابة العامة في مراقبة العمليات.
وكان لمداخلة العلامة د.مصطفى بن حمزة وقع خاص لدى الحضور، حيث قدم تأصيلا فقهيا عميقا لمسألة التبرع بالأعضاء وزراعتها في الفقه الإسلامي. وأكد أن المجلس العلمي الأعلى والمجامع الفقهية في العالم الإسلامي أجازت التبرع بالأعضاء بشروط، منها أن لا يؤدي التبرع إلى ضرر بليغ بالمتبرع، وأن يكون فيه منفعة محققة للمتلقي، وأن يتم برضى تام دون إكراه أو مقابل مادي. وأوضح أن جسد الإنسان أمانة، لكن التبرع بجزء منه لإنقاذ حياة مسلم هو من أعظم القربات وأعظم الصدقات، شريطة احترام آداب الميت وعدم التمثيل به. ودعا العلماء والخطباء إلى الإنخراط في التوعية بهذا الموضوع داخل المساجد.
واختتمت الندوة بجملة من التوصيات، أبرزها، ضرورة إطلاق حملة جهوية ووطنية للتحسيس بأهمية التبرع بالأعضاء، بمشاركة الأطباء والفقهاء والقانونيين والإعلام. والمطالبة بإحداث سجل جهوي للمتبرعين وتسهيل إجراءات التسجيل. وإدماج ثقافة التبرع بالأعضاء في المناهج التعليمية والتكوينية. وتعزيز الشراكة بين كلية الطب والمجالس العلمية وكليات الحقوق لتقريب وجهات النظر وتوحيد الخطاب التوعوي. وتوفير الدعم النفسي والإجتماعي لأسر المتبرعين والمتبرع لهم.
ولقيت الندوة تفاعلا كبيرا من طرف طلبة الطب والصيدلة، الذين اعتبروها فرصة لفهم أعمق لبعد إنساني نبيل يتجاوز الجانب التقني الطبي، ليصبح رسالة حياة وأمل لآلاف المرضى.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


