سليمان بولستيك
في الوقت الذي تسعى فيه القيادة الحالية لحزب التجمع الوطني للأحرار، وعلى رأسها عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، إلى تسويق تنظيم لقاءاتها الجهوية في المناطق القروية والنائية كدليل على سياسة “القرب والانفتاح” على “المغرب العميق”، كشفت مصادر مطلعة من داخل البيت التجمعي أن هذا التوجه لا يعكس قناعة استراتيجية بقدر ما هو “خيار اضطراري” فرضته أزمات تنظيمية خانقة تضرب الحزب في حواضنه الحضرية الكبرى.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن شعار “الانفتاح” الذي يرفعه المقربون من أخنوش لتبرير تنظيم محطات من برنامج “مسار الإنجازات” في مناطق قروية، يخفي وراءه عجزا متناميا في التعبئة داخل الحواضر الكبرى. واستشهدت مصادر من داخل الحزب باللقاء الجهوي الأخير لجهة فاس-مكناس، الذي تم نقله إلى منطقة “تيسة” بإقليم تاونات، في خطوة فسرت على أنها هروب من الاحتقان الذي تعيشه التنسيقيات المحلية في مدينتي فاس ومكناس.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن العاصمة العلمية والعاصمة الإسماعيلية تشهدان تفجرا لخلافات تنظيمية حادة، تزامنت مع توالي ملفات الفساد المالي والإداري التي تلاحق عدداً من منتخبي الحزب ومسؤوليه؛ وهو ما عجل باشتعال فتيل الصراع بين مكونات “الحمامة”، ودفع فئة عريضة من الأعيان والمنتخبين الكبار (Big Electors) إلى الإحجام عن دعم ما باتوا يصفونه بـ”مسار أخنوش”.
ولا يبدو الوضع في جهة الشرق أفضل حالا، حيث يعيش الحزب حالة من “النزيف” التنظيمي أثرت بشكل مباشر على أدائه في مدن استراتيجية كوجدة، والناظور، وبركان. وأكدت مصادر حزبية أن “انفضاض” الداعمين التقليديين والوجوه البارزة عن مساندة أخنوش وضع القيادة في مأزق لوجستي وسياسي غير مسبوق.
وتتجسد هذه الأزمة بوضوح في الارتباك الحاصل حول تحديد مكان تنظيم اللقاء الجهوي المخصص لجهة الشرق ضمن سلسلة “مسار الإنجازات”. فبعد أن كان التوجه لعقده في مدينة وجدة، اصطدم المنظمون بغياب الدعم الذي كان يوفره سابقا كبار داعمي الحزب بالمنطقة، مما اضطرهم للبحث عن بديل في مدينة الناظور.
غير أن رياح الناظور لم تجر كما تشتهي سفن أخنوش، إذ قوبلت الفكرة بفتور واضح من لدن المنتخبين الكبار بالإقليم الذين لم يبدوا أي حماس للمساهمة في إنجاح اللقاء. وأمام هذه الأبواب الموصدة، تشير التوقعات إلى احتمالية نقل النشاط إلى مدينة السعيدية أو منطقة أخرى نائية، رغم أن المدينة الساحلية لم تكن يوما وجهة معتادة لمثل هذه اللقاءات السياسية ذات الطابع التعبوي، مما يعزز فرضية “البحث عن أي مكان” لعقد اللقاء وحفظ ماء الوجه.
ويربط العارفون بخبايا حزب “الحمامة” هذا التراجع الحاد في الدعم بطريقة تدبير عزيز أخنوش لشؤون الحزب، والتي أدت –حسبهم– إلى تهميش القواعد والقيادات المحلية، ودفعت بالمزيد من الأعيان والمنتخبين الوازنين إلى تجميد أنشطتهم وسحب دعمهم.
وتخلص المصادر إلى أن استمرار هذا الوضع، المتمثل في الهروب من مواجهة المشاكل التنظيمية في المدن الكبرى والاكتفاء بلقاءات شكلية في الهوامش، ستكون له كلفة سياسية باهظة، وتأثير بالغ السلبية على أداء الحزب وقدرته التنافسية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

